الجمعة، 16 يوليو، 2010

انفصال جنوب السودان ............ الوحدة حلم الموهومين

في التاسع من يونيو الماضي، انتظمت مدينة جوبا عاصمة الجنوب ، مظاهرة شبابية لا ندري حجمها تنادي بالانفصال ، وتندد بالوحدة، كانت المظاهرة حسب الصور تحمل لوحات كاريكاتيرية في إحداها يحمل جنوبي شمالياُ، ظاهر من العمة والجلابية، يقول الشمالي : سوف نظل موحَدين طالما هذا الرجل يفعل هذا أي يحملني على ظهره، وفي الصورة الأخرى يمد رجل شمالي (تظهر عليه آثار النعمة) إلى آخر جنوبي ( عبارة عن هيكل عظمي) -تأمل الحقد و الحقارة من قبل مصممي هذه الرسومات- يمد إليه بضعة قروش ويقول له وهو يخفي وراء ظهره كرتونة معبأة بالدولارات : هذا نصيبك من " بترولنا" أما أنا فقد أخذت ال 50% خاصتي، إضافة إلى هذين الرسمين يرتدي هؤلاء المتظاهرون تي شيرتات كتب عليها بالعربية والإنجليزية : نعم للانفصال، ورسمت خريطة للدولة الجديدة تضم ولاياتها العشر.


لن نناقش صدق أو كذب إدعاءات المتظاهرين، ولا حجم المظاهرة للحكم على وزنها ، والتأييد الذي تلقاه ، ولكن بصدق وحسن نية: هل كان الانفصاليون الشماليون بذات المستوى من التشكيك بالجنوبيين، هل وصفوهم بالفاسدين ؟ وهم أهل ذلك ومحترفوه ، هل نعتوهم باللصوص، وهم يستولون على أموال الجنوبيين من البترول ، ويحولونها لحساباتهم في بنوك كينيا وأوروبا، هل نعتوهم بالخيانة وهم الذين يطعنون بلدهم الكبير من الخلف جراء تعاونهم مع أعدائه في الإدارة الأمريكية ؟ هل ؟ وهل وهل أسئلة كثيرة تصر أن تطرح نفسها، وتكون الإجابة: لا لم يحدث، عندما يعلق بعض الشماليين على المظاهرة ويصفونها بأنها ردة فعل لما ينادي به الطيب مصطفى ، ومنبره منبر السلام العادل ، الطيب لم يشتم جنوبياُ ، ولو شتم لكان معه الحق، لكنها الغشاوة التي مازالت تغطي عيون بعض الشماليين فلا يرون غير وحدة سرابية لن تحدث ولوحدثت لقالوا لكم زورتم الاستفتاء ، كما زورتم الانتخابات من قبل ، ولبرز أحد المتمردين يعلنها حرباُ جديدة ضد البلاد ، شمالها قبل جنوبها ، والممولون و المساندون جاهزون ، من إسرائيل إلى دول الاتحاد الأوروبي إلى أمريكا هذا غير المستترين من الدول المجاورة لنا وتدعي صداقتنا ، وأخوتنا مثلما دعت مصر قبل أيام المتمرد خليل إبراهيم إلى أراضيها، واستقبلته استقبال الزعماء وهو المتمرد الذي يحارب بلده ويقتُل أبناء جلدته ويرهن إرادته وتحركاته لأعداء بلده، ولولا بعض كرامة استشعرتها الدولة مؤخراُ فبعثت بمسؤولين من العيار الثقيل أمثال نافع لكان خليل إلى اليوم يعيش معززاُ مكرماُ في تلك البلاد.

المهم نعود لموضوع الوحدة والانفصال ، الانفصال ضار لكلا الطرفين ، وضرره أشد وأوضح بالنسبة للشمال ، لأن الدولة أصبحت تعتمد على النفط بصورة كبيرة جداُ ربما تصل إلى 60% من الدخل القومي ، والنفط الآن مستخرج من الجنوب بنسبة تقارب الـ100% ، ليس دخل البترول وحسب هو المشكلة ، المشكلة أن محطات كهرباء ضخمة تقوم الآن ، وتعتمد في تشغيلها على خام البترول ، في كل من ربك والفولة، وإحداهما يتوقع أن تدخل حيز الإنتاج في العام القادم، فإما أن تشتري من الدولة الجديدة أو تستورد من غيرها، ومن أين لها المال الذي تستورد به، وهناك مصفاة الخرطوم ، أين ستجد الخام الذي تعمل به ، بصراحة شديدة النفط هو الهاجس الأكبر الذي سيهز أركان دولة الشمال مالم تتحرك الحكومة ، وتطور حقول بديلة أو تقفل محطتي الفولة وربك وقري الفحم البترولي بالضبة أو تيمم شطر الطاقات البديلة المتجددة، وأنا واثق إذا صح العزم وصدقت النية ، وتحرك الجيش العرمرم من وزرائنا الهميمين فأعدوا العدة لما بعد التاسع من يناير 2011 ، النفط هو الهم الوحيد للشمال .
أما دولة الجنوب التي يعمل متظاهرو التاسع من يونيو لانفصالها ، هل سينعم شعبها بحرية سلبهم إياها الشماليون، هل سيتقلبون في النعمة التي سيغمرهم بها مال البترول؟ هل سيهبط عليهم الخواجات فيحيلوا أرضهم البلقع إلى جنان؟ لا والله بل ستزداد معاناتهم ، وستزداد سرقة أموالهم ، فالناهبون واللصوص موجودون ، إن مناطق البترول في أعالي النيل تعاني الفقر والمرض والبطالة رغم تدفق أكثر من 50% من دخل البترول على حكومة الجنوب، لا مشروع زراعي قام ولو على بضعة أفدنة ، لا مشروع صناعي ، لا خدمات اجتماعية، لا تنمية ، لا أي شيء.
الجنوبيون سيظلون على تخلفهم وجهلهم في ظل الدولة الجديدة، وستزداد الصراعات القبلية ، وستبيد الدينكا النوير لأن بيدهم القوة والسلطة، وهناك القبائل الاستوائية الغارقة في الجهل والمرض هناك اللاتوكا والتبوسا والأشولي الذين يتواجدون في أوغندا والسودان ويتشكل منهم مايسمى بجيش الرب الذي أقض مضجع أوغندا والحركة الشعبية على حد سواء.
صدقوني الشمال بدون الجنوبيين أفضل بكثير ، ذلك أنه أساساُ لا يوجد تمازج ، لا توجد ثقة متبادلة ، لا يوجد هم وطني مشترك، إنٌ أهلينا الذين ذهبوا إلى هناك ابتغاء الرزق الحلال ، وابتغاء تعليمهم ذبحوا في تمرد عام 1955 ، وكذلك عقب موت جون قرنق، وقد علمت من أحد الشماليين الموجودين في توريت أن 85 تاجراُ شماليا قتلوا مع أسرهم في ليلة واحدة في تلك المدينة، لماذا يتذكرون أحقادهم ومراراتهم ، ولا نتذكر نحن أعز الناس لدينا، قتلوا دون ذنب جنوه، ذهبوا إلى هناك تجاراُ ومدرسين عزلاُ لم يحملوا سلاحاُ ، لم يعتدوا على أحد، قتلوا فقط لأنهم شماليون " مندكورات".
إذا كان هذا الوطن واحداُ موحداُ الآن ، وليس بلدين منفصلين حقيقة ، و تجمعهما فقط شعرة البترول لماذا لا يكون لرئيس الجمهورية رأي في تعيين وزراء الجنوب ،ولماذا لا يكون هناك وزراء شماليون ، مثلما يقرفوننا هنا بتعيين وزراء ووزراء دولة جنوبيين ، هل بمثل هذا النفاق تتحقق الوحدة ، هل تهدرون أموالنا وتبددونها أيها الحكام بصرفها على من لا يستحقون، الحق أبلج لا يحتاج إلى تبصير،إن استصلاح وتعمير مشروع زراعي واحد أولى بالاهتمام من الصرف على وزراء مصيرهم الرحيل إلى بلد جديد تم التخطيط له منذ ميلاد نيفاشا المشؤومة.
أما غلاة الشيوعيين أولئك الذين خلقوا ليعترضوا،و ليضللوا الناس فيقولون إن الخوف أن يزور المؤتمر الوطني الاستفتاء كما زور الانتخابات بالله احترموا عقولنا قليلاُ أيها السفهاء، هل زوًر الوطني انتخابات الجنوب، لتكتسحها الحركة الشعبية التي ظلت تحشو الصناديق حتى بعد انتهاء الاقتراع،وهل للمؤتمر الوطني أساساُ وجود في الجنوب ،إن نتيجة الاستفتاء يحددها من يحمل السلاح في الجنوب، الجيش الشعبي وسلفا وباقان، وإدوارد لينو ، وآخر نكرة قال : إنه لن يعطينا جالون بنزين واحد، من بترول استخرجناه نحن ، ولم يستخرجه هو ولا أمه ، ولا أبوه، هؤلاء النفر هم من يحدد الانفصال،وهم يقولون الآن : إن أوان الوحدة الجاذبة ولى ، فليول إلى الجحيم، فلا توهمونا بوحدة مصيرها الفشل، ولسنا على استعداد أن ندفع أرواح أبنائنا رخيصة في سبيلها ،وفي أرض يكرهنا شعبها ، ويتهموننا باستعبادهم.
كفوا عن الأوهام أيها الحالمون وأفيقوا.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق